ابن الحسن النباهي الأندلسي
129
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
في أعلى مرتبة ، أهملهم ، وقطع ، وقال : « ما نصحوا مولاهم ربّ الإحسان عليهم ! فكيف يكون حالهم مع غيره ؟ » وعلى إثر ذلك أخّر ابن سهل عن القضاء ، فالتزم داره إلى وفاته - تجاوز اللّه عنا وعنه ، وغفر لنا وله ! ذكر القاضي موسى بن حمّاد ومن صدور القضاة ، وثقات الرواة ، الشيخ الفقيه العدل النزيه أبو عمران موسى بن حمّاد . ولي القضاء بجهات شتّى ؛ فحمدت سيرته ، وشكرت طريقته . وكان شديدا على أهل الأهواء ، مترفّقا بالضعفاء ، متقايضا عن هنات الفقهاء ؛ وآخر ولايته مدينة غرناطة : استقضاه عليها أمير المسلمين عليّ بن يوسف بن تاشفين . ومن المرسوم له عند ذلك ما نصّه : « وبعد ، فإنّا قد فرغناك برهة من الدهر لشأنك ، وأرسلنا على جهة الترفيه زماما عن عنانك ؛ وحين علمنا أنّك قد أخذت لحظك من الإجماع ، ودار بتودّعك وراحتك دور الأيّام ، خيّرناك لخطّة القضاء ثانية بزمامك ، وأعدناك إلى سيرتك الأولى من لزامك ؛ وقلّدناك بعد استخارة القضاء بين أهل غرناطة وأعمالها - أمّنهم اللّه وحرسها - للثقة المكينة بإيمانك ، والمعرفة الثاقبة بمكانك ؛ فتقلد معانا مسدّدا ما قلّدناك ، وانهض نهوض مستقلّ بما حملناك ؛ وتلقّ ذلك بانشراح من صدرك ، وانبساط من نفسك وفكرك ، وقم في الخطبة مقام مثلك ممّن استحكمت سنّه ورجح حلمه ، وكفّه عن التهافت ورعه وعلمه . وليس هذه بأوّل ولايتك لها ، فنبتدئ بوصيّتك ونعيد ، ونأخذ بالقيام بحقّها العهد الموفق السديد ؛ بل ، قد سلفت فيها أيّامك ، وشكر فيها مقامك ، واستمرّت على سنن الهدى أحكامك ؛ فذلك الشرط عليك مكتوب ، وأنت بمثله من إقامة الحقّ مطلوب . وإنا على ما نعلمه من جميل نظرك ، واعتدال سيرك ، لم نر أن نقفل توصيتك بحكّام الأنظار القاصية عنك ، والقريبة منك ؛ فلا تنصر فيها إلّا من كثر الثناء عليه ، وأشير بالثقة إليه . ولتكن رقيبا على أعمالهم ، وسائلا عن أحوالهم ؛ فمن بطىء به سعيه ، وساء فيما تولّاه نظره ورأيه ، أظهرت سخطته ، وأعلنت في الناس جرحته . فذلك يعدل جانب سواه ، ويشربه النصيحة فيما يتولّاه » وتأريخ هذا المكتوب أوائل شهر رمضان المعظّم الذي من عام 524 . تاريخ قضاة الأندلس ( م 9 )